Thursday 18, Apr 2019

كآبة المسنّ مؤشِّر مُقلِق...

 

تختلف إشارات الحزن و/او الكآبة والخمول مع التقدّم في السنّ، فإن لمحناها عند شخص مسنّ او طاعن في السنّ، دعونا لا نتجاهل الوضع ظنّاً منّا بأنّها حالة عابرة وسرعان ما ستعود الأمور الى مجراها...

لا بل مؤشّرات الكآبة وتحديداً إذا ما استمرّت وتواصلت، قد تتحوّل الى اكتئاب، وامّا تلك الظاهرة فتختلف للغاية بين الراشد الشابّ والراشد المسنّ. تماماً! ما قد نعتبره نحن مجرّد اكتئاب، قد يوقّع بداية اختلال عقليّ عند الشخص المسنّ!

 

إنتباه!

الكآبة المستمرّة عند المتقدّم في السنّ، قد تفضي الى "جنون" او نوع من الاختلال وربّما.. وهذا هو الأسوأ، تراود الشخص أفكار انتحاريّة!

مع العلم بأنَّ حالة الاكتئاب او الخمول والحزن وأحياناً الإحباط قد لا تظهر جليّة للعيان، لكنّها من أهمّ الاضطرابات السلوكيّة. وعليه، يجب تشخيصها في وقت مبكر. لمَ هذا التشخيص المبكر؟ اوّلاً، بغية اكتشاف موقع الاختلال، وثانياً لتجنّب ايّ محاولة انتحار.

 

من المهمّ رصد ادنى تراجع في الحماس...

من الأساسيّ أن يتنبّه الأهل او المقرّبون وبأسرع وقت ممكن، الى ايّ تراجع في الحماس والحيوية او الاندفاع لدى المسنّ. حتّى اللامبالاة والتكاسل او الخمول مؤشّرات مسبقة قد تنذر ببداية الآلزايمر، وذلك قبل بلوغ مرحلة الجنون او الخبول. ايضاً تلك العناصر ال3 هي من اولى أعراض الاكتئاب والذي يمكن ربطه بداء الآلزايمر. امّا اضطرابات السلوك فقد تشكّل اول دليل ملموس على خلل في وظيفة الدماغ. مؤخّراً، قد اقترحت المنظّمة الدولية لطبّ النفس الخاصّ بالمسنّين، تصنيف هذه الاضطرابات في خانة "الأعراض النفسية والسلوكيّة". هي تشمل اذاً اضطرابات الإحساس الإدراكيّ، ماهيّة او محتوى الأفكار، السلوك والمزاج. هذا التصنيف يسمح ايضاً بتسجيل او رصد كلّ ما يمكن ملاحظته او مشاهدته من إشارات: عدائية، تململ، تردّد او ارتباك، حركات غريبة خارجة عن المعهود،.. وكذلك الأمر كلّ ما هو انفعاليّ عاطفيّ: قلق، خوف، اكتئاب،... إذاً، عند ادنى مؤشّر تراجع او خلل او اضطراب في السلوك، في التفكير،.. يجب لا محالة استشارة اختصاصيّ في المجال.

... قبل سيطرة المرض

يجب التصرّف سريعاً اي قبل ظهور العلامات الصارخة او المفاجئة العنيفة او الحركات "الصاخبة"، فهذه الأخيرة تأتي في مرحلة جدّ متقدّمة من مرض الاختلال العقليّ. بالفعل، لا تتجلّى للعيان إلاّ متى سيطر المرض كلّياً وتمَّ تأكيد حالة الجنون. 

حذار أعراض الخمول! هي تترجم عبر فقدان المسنّ حسّ المبادرة، فقدان الاهتمام وضعف او نقص الانفعالات وردود الفعل والأحاسيس. يبدو فقدان الاهتمام ايضاً اهمّ مؤشّر منذر بمرض الآلزايمر. هنا، يستعمل اختصاصيّو طبّ النفس مجموعة من الاختبارات النفسية العصبية التي تتناول اللامبالاة والخمول. الهدف؟ تشخيص محتمل لحالة من الآلزايمر. امّا أعراض الاكتئاب من حزن، تشاؤم، شعور بالذنب، وتصوّرات "سوداوية" انتحاريّة، فهي توقّع ايضاً بداية الجنون. من هنا، اهميّة التشخيص المبكر لكشف بداية الآلزايمر والحؤول دون مخاطر الانتحار.

كما ذكرنا سابقاً، تختلف أعراض الاكتئاب لدى المسنّ مقارنةً بالراشد الشابّ وهي تمتاز بخصائص سريريّة إكلينكيّة:

  • لا تعبير واضح عن الحزن
  • قلق شديد واضطرابات بارزة في الطبع
  • خمول سائد

وفي حالة الاكتئاب "الخفيّ" او الكامن، قد يتشكّى المسنّ من اوجاع متفرّقة في الجسم ومن اضطرابات في الذاكرة من النوع الذاتيّ.

 

عمليّاً

امام خمول غير اعتياديّ وإنّما استجدّ فجأة، ترافقه اضطرابات في الذاكرة، من الأساسيّ استكشاف الأداء المعرفيّ الإدراكيّ او Cognitive performance، على وجه التحديد. هنا، يوصى باستشارة خبير او اختصاصيّ ذاكرة واستذكار، وذلك لتقييم الحالة النفسيّة بشكل أدقّ وأعمق. امّا قبالة ايّ اعراض اكتئابية، فيجب البحث في المصادر المحتملة: الحوادث والوقائع الحياتيّة، السيرة الصحيّة، علاجات يتّخذها او قد اتّخذها المريض... ويجدر تحديد الأعراض بشكل دقيق.

كيف يتمّ تقييم الوظائف الإدراكيّة؟ تنظَّم عمليّة المعرفة او الإدراك عادةً بحسب اجهزة تشريحيّة ووظائفية كبرى مختلفة ومستقلّة الواحدة عن الأخرى. هنا، يقسم الخبراء هذه الأجهزة الى نوعين: أجهزة اوّلية او بدائية (بصر، سمع، حركات،..) وأجهزة عليا او متفوّقة؛ جهاز كبير للفهم وإنتاج اللغة. ايّ خلل محتمل قد يسبّب اضطرابات في اللغة او ما يعرف بال Aphasia، اي، فقدان قدرة التعبير بالكلام. ما خلا اللغة، تشمل الأجهزة الكبرى: الذاكرة الوجيزة والطويلة الأمد، التفكير المنطقيّ. تميّز الذاكرة الطويلة بين الاستذكارات الخاصّة بالمعارف والمعرفة المتعلّقة بالعالم (ذاكرة علم الدلالة) وبين الاستذكارات الخاصّة بالسيرة الذاتية او التلقائية للشخص، وهذه تتألّف من مراحل حياتيّة (ذاكرة مراحليّة او حَلَقيّة). من جهة أخرى، هناك أجهزة تابعة او لاحقة او ما يعرف بالأجهزة الثانوية المكمِّلة.

 

تحديد مواقع الخلل في الدماغ

يجدر العلم بما يلي: تُربَط الأجهزة الإدراكيّة المعرفيّة بمواقع محدّدة في الدماغ. هذا يسمح بتكوين فكرة حول المواقع الدماغيّة الضعيفة او مواقع التلف في حال وجود ايّ نقص او عجز في واحدة او اكثر من هذه الوظائف الإدراكيّة. إضافةً، كلّ مرض عصبيّ تنكّسي (الآلزايمر على سبيل المثال) يظهر نمطاً خاصاً من التَلَف الدماغيّ، وبالتالي، التراجع الإدراكيّ المعرفيّ. وعليه، من الممكن بناء تشخيص على اسس قياس او تحديد مواصفات الخلل الإدراكيّ. هذا الخلل قد يفصح عنه المريض عفوياً او يخبر به محيط المريض من الأهل او المقرّبين. هو يشكّل اوّل مؤشّر منذر ببداية مرض تنكّسي. إنتباه إذاً! يجب توخّي اشدّ تيقّظ خلال مقابلة الطبيب او الاختصاصيّ للمسنّ؛ حتّى ولو كان هذا الأخير ليشكو من اضطرابات الذاكرة، فقد يكون هناك ابعاد أخرى مثل السلوك (خمول، لا مبالاة، كسل، سأم،...)، التطبيق السلوكيّ (غرابة في تنفيذ بعض الحركات)، الحسّ او الإدراك البصريّ (صعوبات في القراءة لا يستطيع طبيب العيون معالجتها) او طريقة التعبير الشفهيّ مع فقدان معاني بعض الكلمات.

اليوم، وبفضل تقدّم التقنيات الطبية والعلمية، تتوفّر المعدّات المناسبة في المراكز المتخصّصة، من تحاليل عصبيّة نفسيّة محدَّدة وغيرها، وذلك بغية تقييم سلامة وصحّة عمل مختلف الأجهزة الإدراكية المعرفيّة لدى المريض. من جهة أخرى، يسهل على الطبيب العامّ حتى استعمال بعض الأدوات البسيطة والتي تسمح بوضع التشخيص. تلك باتت متوفّرة سريعة وسهلة وموحّدة الاستعمال.

 

كشف "على قياس" كلّ شخص

مؤخّراً، قد فكّر الخبراء باستراتيجيّة تقضي بتطوير سلسلة من الاختبارات الخاصّة بكلّ شخص على حدة، او على قياس كلّ مريض. بالتالي، بات من الممكن كشف مستوى عمل وأداء الذاكرة الوجيزة الأمد، وذلك عبر تكرار المريض مجموعة من الأرقام تذكر امامه عشوائياً، بصوت عالٍ وواضح مع إعادة ترتيبها من الأصغر الى الأكبر. وفي ما يتعلّق بالذاكرة الطويلة الأمد، يمكن عرض صورتين او 3 عن اشياء او اغراض او شخصيّات معروفة، من ثمّ سؤال المسنّ تسميتها وإعطاء معلومات عنها. من الممكن طرح اسئلة استذكاريّة مثلاً عن اماكن او اسماء مناطق قد زارها المريض في العام الفائت، او اشخاص قابلهم،... ثمّة طريقة استكشافيّة بسيطة كفيلة بتحديد القدرات المنطقيّة: كتابة او لفظ أكبر عدد ممكن من الأسماء المحتملة التي تبدأ بحرف "التاء" في غضون دقيقة او ايضاً حلّ مسائل حسابيّة بسيطة شفهيّاً. 

Top